هل تساءلت يومًا إن كانت الأرقام التي نستخدمها يوميًا هي فعلًا “عربية”؟
في كتابه «هل الأرقام العربية جاءت حقًا من الجزيرة العربية؟»، يعيد لويس فيردان (Léwis Verdun) رسم المسار التاريخي المذهل لأحد أهم الاختراعات في تاريخ البشرية: نظام الأرقام الذي وحّد طرق الحساب والفكر العلمي في العالم.
في بضع صفحات فقط، ضمن سلسلة «المعرفة الموجزة» من دار النشر Five Minutes، يأخذنا الكاتب في رحلة سريعة من معابد الهند القديمة إلى مدارس أوروبا، مرورًا بعصر الازدهار العلمي في الحضارة الإسلامية.
اختراع هندي انتقل عبر الحضارة العربية
الأرقام من 0 إلى 9 التي نكتبها اليوم لم تُولد في الجزيرة العربية، بل في الهند القديمة بين القرنين الثالث والسابع الميلاديين.
هناك، ابتكر العلماء الهنود النظام العشري وقدموا للعالم مفهومًا ثوريًا جديدًا: الصفر.
هذا النظام القائم على المراتب غيّر جذريًا طريقة الحساب، وجعل العمليات المعقدة أبسط وأكثر دقة.
لكن كيف انتقلت هذه الفكرة إلى بقية العالم؟
الفضل في ذلك يعود إلى علماء العالم العربي والإسلامي الذين تبنوا المعرفة الهندية ونشروها.
فمن بغداد ودمشق وقرطبة، قام علماء مثل الخوارزمي — الذي اشتُقّ من اسمه مصطلح الخوارزمية (Algorithm) — بترجمة النصوص السنسكريتية، وتطوير رموز الأرقام وتبسيطها، ثم نشرها على طول طرق التجارة التي ربطت الهند بالعالم الإسلامي فالبحر المتوسط.
من الأرقام الهندية-العربية إلى عصر النهضة الأوروبية
في القرن الثاني عشر، وصلت المخطوطات العربية الرياضية إلى أوروبا عبر الأندلس وصقلية.
وخلال رحلاته في شمال إفريقيا، تعرّف عالم الرياضيات الإيطالي فيبوناتشي (Fibonacci) على هذا النظام الجديد، فدوّنه في كتابه الشهير «كتاب الحساب» (Liber Abaci) عام 1202.
ومن هناك بدأت أوروبا تتخلى تدريجيًا عن الأرقام الرومانية المعقدة لتتبنّى النظام الهندي-العربي الأكثر كفاءة ووضوحًا.
لم يحدث هذا التحول بين ليلة وضحاها، بل احتاج إلى قرون من التطور حتى اعتاده التجار والعلماء والمصرفيون.
لكن نتائجه كانت عميقة: فقد مهد الطريق لظهور المحاسبة الحديثة، وتقدم العلوم، وولادة الحوسبة الرقمية.
ويذكر فيردان أن تاريخ الأرقام هو في جوهره تاريخ التبادل بين الحضارات — مثال رائع على ما يمكن للبشرية تحقيقه حين تتشارك المعرفة.
الصفر: الرمز الأصغر والثورة الأكبر
في قلب هذه الرحلة يقف بطل متواضع لكنه غير عادي: الصفر.
ابتُكر في الهند كرمز للعدم، لكنه منح الرياضيات منطقها الداخلي وقدرتها الهائلة على التطور.
من دونه، لم تكن لتوجد الجبر أو التفاضل أو الحواسيب الحديثة.
يروي فيردان كيف انتقل هذا المفهوم الفلسفي من الهند إلى العلماء العرب الذين تبنوه وطوّروه، قبل أن يصل إلى أوروبا.
الصفر ليس مجرد رقم، بل رمز فلسفي عميق: انتقال من اللاشيء إلى الوجود، من الغياب إلى القياس.
إنه تجسيد لقدرة الإنسان على تحويل الغموض إلى معرفة.
تراث مشترك بين الهند والعالم العربي
يدعو الكاتب إلى اعتماد مصطلح أكثر دقة: الأرقام الهندية-العربية.
فهو يكرّم الأصل الهندي للاختراع ويعترف في الوقت نفسه بدور العلماء العرب في نشره وتطويره.
بهذا يزيل فيردان اللبس الذي دام قرونًا حول “الأرقام العربية”، ويبرز كيف تداخلت الثقافات لصنع إحدى أعظم أدوات الفكر الإنساني.
وفي زمن تتزايد فيه النزعات القومية والثقافية الضيقة، يذكّرنا هذا الكتاب بأن التقدم الإنساني كان دومًا نتيجة تعاونٍ حضاريٍّ واسع.
فأفكارنا ولغاتنا وأرقامنا جميعًا تحمل بصمة الإنسانية الواحدة عبر التاريخ.
درسٌ لعصر التكنولوجيا
يختتم فيردان كتابه بربط الماضي بالحاضر.
فمن ألواح الطين إلى الشاشات الذكية، ظلّت كتابة الأرقام تتطور مع تطور الإنسان نفسه.
واليوم، تقف الخوارزميات — أحفاد فكر الخوارزمي — في قلب ثورتنا الرقمية.
لكن وراء هذه التكنولوجيا، يدعونا الكاتب للتأمل في المعنى الحقيقي لهذه الرموز: إنها الذاكرة الكونية للعقل البشري.
من خلال فهم جذور أرقامنا، يفتح لنا «هل الأرقام العربية جاءت حقًا من الجزيرة العربية؟» نافذةً للاحتفاء لا بحضارةٍ واحدة، بل بـ العبقرية الجماعية للإنسانية بأسرها.
كتاب موجز، لكنه لا يُنسى
كما هي عادة دار Five Minutes، يجمع هذا الكتاب بين الإيجاز والعمق.
يمكن قراءته في بضع دقائق، لكنه يترك أثرًا طويل الأمد.
رحلة فكرية عبر ثلاث قارات وألفيات، تكشف كيف صنع التبادل الثقافي أعظم لغات العقل: الأرقام.
اكتشف الآن كتاب هل الأرقام العربية جاءت حقًا من الجزيرة العربية؟ على موقع FIVE MINUTES وانطلق في رحلةٍ مذهلةٍ عبر تاريخ الأرقام التي شكّلت حضارتنا.




Français