مع تنامي الشكوك، وصعود وسائل التواصل الاجتماعي، وتزايد الأخبار الكاذبة والمحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي، تواجه وسائل الإعلام التقليدية أزمة غير مسبوقة. في هذا الكتيب الصادر عن مجموعة "Five Minutes" تحت عنوان هل لا يزال بالإمكان الوثوق بوسائل الإعلام التقليدية؟، يعرض لويس فيردان تحليلاً مدعومًا بالبيانات لأسباب هذا الانهيار في الثقة ويقترح حلولًا واقعية لإعادة بنائها.

الكاتب يستند إلى استطلاعات رأي حديثة مثل Gallup، Pew Research، Eurobarometer، Digital News Report 2025 وBaromètre La Croix، لتقديم صورة واضحة عن حالة العلاقة بين وسائل الإعلام والجمهور عبر العالم.

فجوة الثقة بين الشمال والجنوب

تشير البيانات إلى أن متوسط الثقة في وسائل الإعلام في أوروبا لا يتجاوز 40٪، بينما لا تتعدى هذه النسبة 28٪ في الولايات المتحدة، مما يعكس أزمة حادة في المجتمعات الغربية.

في المقابل، تُظهر بلدان مثل نيجيريا (68٪) وكينيا (65٪) مستويات عالية من الثقة، ما يطرح تساؤلات حول الفروق الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تؤثر على هذه العلاقة.

يرى الكاتب أن الفجوة لا ترتبط فقط بجودة المحتوى أو التوازن التحريري، بل تتعلق أيضًا بالاستقطاب السياسي، ضعف التربية الإعلامية، وسوء استخدام التكنولوجيا.

أسباب تآكل الثقة

يتناول الكتاب خمسة عوامل رئيسية أدت إلى تراجع الثقة في وسائل الإعلام التقليدية:

  • الانحياز السياسي، سواء الحقيقي أو المتخيل

  • انتشار المعلومات الكاذبة والمضللة

  • تصاعد مكانة المؤثرين على حساب الصحفيين

  • الاستخدام الغامض للذكاء الاصطناعي في تحرير الأخبار

  • الضغوط الاقتصادية التي تفرض السرعة على حساب الدقة

ويشير كذلك إلى أن أكثر من 60٪ من الشباب تحت سن الثلاثين يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدرهم الأساسي للأخبار، ما يؤدي إلى عزلهم في "فقاعات تصفية" تصعب مناقشة الحقائق المشتركة.

العواقب الاقتصادية والديمقراطية

إن فقدان الثقة لا يُضعف فقط الصحافة، بل يُضعف الديمقراطية نفسها. وسائل الإعلام تفقد دورها الرقابي، والمواطنون يفقدون أدواتهم في مراقبة من هم في السلطة.

كما أن هروب الإعلانات والاشتراكات نحو المنصات الرقمية يهدد استمرارية المؤسسات الإعلامية المستقلة.

من ناحية أخرى، يؤدي تراجع الثقة إلى فراغ معلوماتي تملؤه نظريات المؤامرة والأخبار المضللة، مما يهدد التماسك الاجتماعي والنقاش العام الصحي.

كيف نعيد بناء الثقة؟

يرفض المؤلف النظرة التشاؤمية ويقترح عددًا من الإجراءات العملية لإعادة بناء الثقة:

  • دعم الصحافة المحلية والاستقصائية

  • تعزيز الشفافية في تحرير المحتوى والتحقق من صحة المعلومات

  • إدماج التربية الإعلامية في المدارس والجامعات

  • الإفصاح الواضح عن المحتوى المُنتج عبر الذكاء الاصطناعي

  • فتح قنوات تواصل حقيقية بين الصحفيين والجمهور

ويدعو كذلك إلى نماذج مشتركة للتنظيم الذاتي، تضم الإعلاميين والتقنيين والأكاديميين والمواطنين، لضمان التوازن بين حرية التعبير وحماية جودة المعلومات.

الثقة عقد اجتماعي يجب تجديده

في الختام، يرى فيردان أن الثقة ليست قيمة قديمة ينبغي التخلي عنها، بل هي عقد اجتماعي يجب تجديده في ضوء متطلبات العصر الرقمي.

إن استعادة هذه الثقة لا تتطلب فقط إصلاح المؤسسات الإعلامية، بل أيضًا تمكين المواطنين من امتلاك أدوات التفكير النقدي، والتمييز بين الحقيقة والتضليل.

هل لا يزال بالإمكان الوثوق بوسائل الإعلام التقليدية؟ هو كتاب موجز، لكنه غني بالبيانات والرؤى، وموجه لكل من يسعى إلى فهم واقع الإعلام اليوم والقيام بدوره في إعادة بناء هذه العلاقة الأساسية في المجتمع.

اقرأ هذا الكتاب اليوم، وابدأ في استعادة ثقتك بالإعلام على أسس جديدة.