الحب شعور متجدد، يتبدل عبر الزمن كما تتغير المجتمعات والتقنيات والثقافات. لكن كيف يمكن أن يكون شكل الحب بعد قرن من الآن؟ في كتاب «كيف سيكون الحب بعد 100 عام؟» للمؤلف Léwis Verdun، والصادر عن دار Five Minutes ضمن سلسلة "آفاق جديدة"، يقدم الكاتب تحليلاً عميقاً واستشرافياً حول مستقبل العلاقات العاطفية. يستند الكتاب إلى دراسات اجتماعية، واتجاهات ديموغرافية، وتطورات تقنية متسارعة، ليكوّن رؤية شاملة عن ملامح الحب في عالم الغد.
التراجع التدريجي للنموذج التقليدي للعلاقة الزوجية
يشير Verdun إلى أن النموذج الزوجي التقليدي يفقد تدريجياً مكانته المركزية. ومع ازدياد متوسط العمر وتنوع مسارات الحياة، قد تظهر أنماط جديدة أكثر مرونة وتكيفاً مع احتياجات البشر المتغيرة. لم يعد الارتباط الأحادي مدى الحياة النموذج الوحيد أو الأوحد.
بدلاً من ذلك، قد تتشكل شبكات أوسع من العلاقات، يسميها الكاتب «أبراج العلاقات»، حيث يتعاون عدة أشخاص في دعم بعضهم مادياً وعاطفياً، دون الاعتماد على ثنائية زوج–زوجة. كما قد تنتشر أشكال مثل الأسر متعددة البالغين، العلاقات التعاقدية محددة المدة، أو العائلات المختارة بمحض الإرادة.
هذه التغيرات لا تُلغي الحب، بل تفتح المجال لنسخ عديدة منه، تتكيف مع واقع يمتد لعمر أطول ومسار حياة أكثر تنوعاً.
عندما تعيد التكنولوجيا تعريف الحميمية
أحد أكثر الجوانب إثارة في الكتاب يتعلق بالدور الذي قد تلعبه التكنولوجيا في صياغة مستقبل العلاقات. فالواقع الافتراضي المتقدم، والذكاء الاصطناعي العاطفي، وواجهات الدماغ–الحاسوب قد تحدث ثورة في طرق التواصل العاطفي.
قد تسمح تقنيات الواقع الافتراضي الحسي لشخصين يفصل بينهما آلاف الكيلومترات بأن يتشاركا وجبة، أو نزهة، أو لحظات حميمية وكأنهما في المكان نفسه، وذلك بفضل بدلات حسية قادرة على نقل اللمس والحرارة والانفعالات الدقيقة.
أما الرفاق الاصطناعيون، وهم كائنات رقمية قادرة على التعلم والتفاعل وتكوين ارتباطات عاطفية شبه حقيقية، فقد يصبحون جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للكثيرين. وجودهم يثير أسئلة فلسفية مهمة: هل يمكن للحب أن يكون أصيلاً إذا كان طرفه غير إنساني؟ وما معنى الارتباط في عصر الذكاء الاصطناعي؟
وتقود الواجهات العصبية بدورها إلى مستوى جديد من التقارب، إذ قد تتيح نقل الانفعالات مباشرة من دماغ إلى آخر، وهو ما قد يعزز الفهم المتبادل إلى حد غير مسبوق، لكنه يفتح الباب لمخاطر تتعلق بالخصوصية العقلية والسيطرة العاطفية.
البيوتكنولوجيا وإعادة تشكيل مفهوم الأبوة والأمومة
لا يتوقف مستقبل الحب عند العلاقات الثنائية، بل يمتد ليشمل تكوين الأسرة. يطرح الكتاب احتمال انتشار الحمل الاصطناعي، بحيث تتولى حاضنات بيولوجية متطورة نمو الجنين بالكامل، ما يقلل المخاطر الصحية ويمنح الآباء حرية أكبر.
كما قد تسمح الهندسة الجينية المتقدمة بتفادي العديد من الأمراض الوراثية، وتُعيد القوانين تعريف الأسرة لتشمل عدة أولياء أمور يتشاركون المسؤولية القانونية والتربوية. هذه التحولات تتطلب إعادة نظر شاملة حول مفاهيم الأمومة والأبوة والقرابة.
تحديات أخلاقية في مستقبل عاطفي متطور
مع كل هذه الإمكانات تظهر تساؤلات أخلاقية معقدة. كيف نحمي البيانات العاطفية الشديدة الحساسية التي تجمعها الأنظمة الذكية؟ كيف نضمن أن الموافقة العاطفية تُمنَح بحرية، في عالم يمكن فيه نقل أو تعديل المشاعر تقنياً؟ وكيف نمنع الفجوة التكنولوجية من خلق تفاوت عاطفي بين من يمتلكون هذه الأدوات ومن لا يستطيعون الوصول إليها؟
الإجابة على هذه التحديات تتطلب تشريعات واضحة ونقاشاً مجتمعياً واسعاً لضمان أن تبقى التكنولوجيا في خدمة الإنسان لا العكس.
موضوع مرتبط: صعود العزلة المختارة
إلى جانب هذه التحولات، يبرز اتجاه آخر: العزلة المختارة. المزيد من الأشخاص يفضلون حياة مستقلة لا تعتمد على علاقة عاطفية، بدافع الحرية الشخصية أو التركيز على النمو الذاتي. توفر السكنيات المعيارية، والمجتمعات المبنية على الاهتمامات المشتركة، والرفاق الرقميون المصممون حسب الحاجة، بيئة مناسبة لازدهار هذا النمط من العيش.
العزلة المختارة لا تلغي الحب، بل توسّع تعريفه وتعيد توزيع مساحته في حياة الفرد.
لاستكشاف التحليل الكامل لهذه الرؤى المستقبلية، يمكنك قراءة «كيف سيكون الحب بعد 100 عام؟» عبر موقع Five Minutes.




Français