غالبًا ما يُنظر إلى حياة المشاهير على أنها حلم: السجاد الأحمر، الأضواء، والامتيازات. لكن خلف هذا البريق تختبئ حقيقة أكثر تعقيدًا، خاصةً بالنسبة للأطفال الذين لم يختاروا أن يكونوا تحت الأضواء. يتناول كتاب النشأة مع والدين مشهورين للمؤلف لويس فيردان (Grandir avec des parents célèbres) هذه المفارقة بدقة. في هذا المقال، نتناول موضوعًا متصلًا: كيف تؤثر الشهرة والتعرض الإعلامي المبكر على تطور الطفل، سواء كان ابنًا لمشاهير أم كان مجرد طفل يظهر بكثرة على وسائل التواصل الاجتماعي.
في زمن أصبحت فيه الخصوصية سلعة قابلة للبيع، وقد يعرض بعض الآباء أطفالهم للخطر دون قصد مقابل بعض المشاهدات، من الضروري التوقف والتفكير في تبعات هذه الظاهرة المعاصرة.
الأطفال تحت الأضواء: جيل مفرط في التعرض الإعلامي
لم يعد التعرض الإعلامي مقتصرًا على أبناء المشاهير فقط. مع ازدهار وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن لأي أب أو أم تحويل أبنائهم إلى شخصيات عامة. هذا التعرض الرقمي المفرط—غالبًا ما يكون غير مقصود أو دون وعي كامل—يؤدي إلى نتائج مشابهة لتجربة أبناء المشاهير: فقدان الخصوصية، هوية تتشكل حسب نظرة الآخرين، وضغط دائم للظهور بشكل معين.
تشير دراسة من جامعة واشنطن إلى أن 92٪ من الأطفال الأمريكيين يمتلكون بصمة رقمية قبل سن الثانية، وغالبًا ما يكون ذلك من خلال منشورات آبائهم. وفي العالم العربي أيضًا، يزداد هذا الاتجاه مع بروز "العائلات المؤثرة" على إنستغرام، يوتيوب، وتيك توك.
هذا الظهور المبكر قد يربك التطور النفسي للطفل، ويزيد من القلق، ويؤثر على علاقته بذاته وبمن حوله. وهو ما يعكسه كتاب لويس فيردان، حيث يُظهر كيف أن أبناء المشاهير يُسلط عليهم الضوء حتى قبل أن يفهموا من هم حقًا.
المحسوبية وإعادة إنتاج الامتيازات
وراء الصورة اللامعة لأبناء النجوم، هناك آلية اجتماعية قوية تُعرف باسم المحسوبية، وهي تفضيل الأقارب في المجالات المهنية أو الفنية أو السياسية. يراها البعض استمرارًا طبيعيًا للإرث العائلي، بينما يعتبرها آخرون وسيلة لتكريس التفاوتات وإقصاء المواهب غير المعروفة.
في كتابه، يُبرز فيردان كيف أن المحسوبية قد تسلب الأطفال استقلاليتهم، وتدفعهم إلى مسارات لم يختاروها بأنفسهم، بل فُرضت عليهم نتيجة التوقعات الاجتماعية. وهذه الضغوط الصامتة قد تعيق نموهم الشخصي وإحساسهم بالحرية.
ولا يقتصر هذا على عالم الفن، بل يظهر أيضًا في الرياضة، الإعلام، وحتى السياسة، حيث يُنتظر من أبناء الشخصيات البارزة أن يسيروا على خطى آبائهم، سواء أرادوا ذلك أم لا. فالمشكلة الحقيقية تكمن في غياب حرية الاختيار الحقيقية.
الأطفال المؤثرون، العائلات المشهورة، وتأخر التشريعات
طرح ظاهرة الأطفال المؤثرين والعائلات التي تُفرط في مشاركة حياة أبنائها عبر الإنترنت تحديًا قانونيًا وأخلاقيًا كبيرًا. ففي فرنسا، تم سن قانون في 19 أكتوبر 2020 لتنظيم عمل الأطفال على المنصات الرقمية، وهو مستوحى جزئيًا من القضايا التي يناقشها كتاب لويس فيردان.
لكن رغم هذه الخطوة، لا تزال اقتصاديات الانتباه تفتقر إلى الضوابط. فالفيديوهات التي يظهر فيها الأطفال تحقق ملايين المشاهدات وتدرّ أرباحًا هائلة، غالبًا ما تذهب للآباء أو الوكالات، في حين لا يملك الطفل أي سيطرة على صورته أو مستقبله النفسي.
يبقى التوازن صعبًا بين حرية التعبير العائلية وحق الطفل في الخصوصية. الأمر يتطلب وعيًا جماعيًا وتشريعات واضحة تُنظم استخدام صور الأطفال، وتكفل حق النسيان، وتضمن حصولهم على العائدات بشكل مباشر.
كيف نحمي الطفولة في عالم رقمي مترابط؟
لحماية الأطفال من الآثار السلبية للشهرة أو التعرض الرقمي المفرط، لا بد من استراتيجيات عملية. إليك بعض التوصيات المستخلصة من كتاب لويس فيردان وخبراء حماية الطفل:
نصائح للآباء :
فكّر قبل النشر: هل سيرضى ابنك بمشاركة هذه الصورة حين يكبر؟
تجنّب مشاركة معلومات شخصية جدًا (المدرسة، العواطف، العادات اليومية).
لا تربط طفلك بإعلانات تجارية أو محتوى مدفوع.
خصص لطفلك مساحة رقمية "خاصة" بعيدًا عن النشر العلني.
إجراءات مؤسسية ضرورية :
إلزام موافقة الأطفال عند بلوغ سن معينة على النشر.
فرض تحويل عائدات الأطفال المؤثرين إلى حسابات مصرفية محمية.
إنشاء هيئة رقابية متخصصة في المحتوى العائلي التجاري.
تشديد العقوبات على الاستخدام غير المشروع لصور القُصَّر.
للمعلمين والمتخصصين في الطفولة :
تدريب المربين على مخاطر الإعلام الرقمي.
توفير دعم نفسي للأطفال الذين تعرضوا للإفراط في النشر.
تأسيس خطوط دعم خاصة بأبناء الشخصيات العامة.
الطفولة لا يجب أن تكون عرضًا. سواء نشأ الطفل في الظل أو تحت الأضواء، فإنه يستحق الحماية، والاحترام، والحرية. من خلال النشأة مع والدين مشهورين، يقدم لويس فيردان رؤية عميقة لتجارب هؤلاء الأطفال الذين يعيشون حياتهم في العلن رغمًا عنهم. دعوته الصادقة تحثّنا على إعادة التفكير في ممارساتنا الرقمية والإعلامية، وتذكّرنا أن أعظم امتياز يمكن أن يحصل عليه الطفل هو أن ينمو في سلام، بعيدًا عن الكاميرات.
اكتشف كتاب النشأة مع والدين مشهورين (النسخة العربية) الآن على Five Minutes!




Français