في عصرٍ تستطيع فيه مقاطع فيديو قصيرة أن تغيّر الرأي العام خلال ساعات، لم تعد المعرفة تُقاس فقط بالخبرة الأكاديمية أو عدد السنوات في المهنة. لقد أعادت وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل طريقة استهلاكنا للمعلومات، ومعها تغيّر موقع “الخبير” في الوعي العام. فأصبحنا نرى مؤثرين يتمتعون بقدرة هائلة على الإقناع والتأثير، في حين يتراجع صوت الخبراء التقليديين في كثير من النقاشات العامة.
هذا التحول هو محور كتاب هل استبدل المؤثرون بالخبراء؟ للكاتب لويس فيردان، الصادر عن دار Five Minutes. يقدم الكتاب قراءة هادئة ومدعومة بالأرقام لواقع جديد لا يُقصي الخبرة، بل يفرض عليها إعادة تعريف أدواتها وطرق تواصلها مع الجمهور.
قوة العاطفة في مقابل السلطة العلمية
لماذا يثق البعض بنصائح مؤثر في مجال الصحة أكثر من طبيب مختص؟ الجواب لا يكمن في غياب الوعي، بل في التأثير العاطفي. فالعاطفة تلعب دورًا محوريًا في اتخاذ القرار، وغالبًا ما نتفاعل مع القصص الشخصية والتجارب الإنسانية أكثر من البيانات المجردة.
المؤثرون يتقنون هذا الجانب. فهم يتحدثون بلغة بسيطة، يشاركون تجاربهم اليومية، ويخلقون إحساسًا بالقرب والصدق. في المقابل، يميل الخطاب العلمي إلى الجدية والتجريد، ما يجعله أحيانًا بعيدًا عن حياة الناس اليومية. المشكلة ليست في محتوى المعرفة، بل في الطريقة التي تُقدَّم بها.
الكتاب يوضح أن الجمهور لا يرفض العلم، بل يبحث عن من يشرحه له بلغة يفهمها ويشعر بأنها تمسه بشكل مباشر.
الخوارزميات وتفكيك مفهوم الشرعية
في الماضي، كانت الشرعية المعرفية تُبنى على الشهادات والمؤسسات. أما اليوم، فقد أصبحت الخوارزميات لاعبًا أساسيًا في تحديد من يُسمَع له. فالمحتوى الذي يحظى بتفاعل أكبر ينتشر أكثر، بغض النظر عن دقته العلمية.
هذا الواقع يضع الخبراء أمام تحدٍ جديد: إما البقاء في دائرة ضيقة من المتخصصين، أو الانفتاح على الجمهور الواسع بأساليب حديثة. وقد اختار كثير من الأطباء، والأساتذة، والباحثين الطريق الثاني، من خلال تقديم محتوى علمي مبسط على منصات مثل تيك توك ويوتيوب وإنستغرام.
لويس فيردان يبيّن أن هذا التحول لا يعني التنازل عن المصداقية، بل هو محاولة لإعادة ربط المعرفة بالمجتمع.
من سلطة أحادية إلى حوار مفتوح
لم يعد الجمهور يكتفي بسماع رأي الخبير من طرف واحد. في الفضاء الرقمي، يتوقع الناس حوارًا وتفاعلًا. يريدون طرح الأسئلة، مناقشة الأفكار، وحتى الاعتراض أحيانًا. وهنا يظهر دور جديد للخبير: ليس كمُلقّن، بل كمُيسّر للفهم.
الخبراء الذين نجحوا في هذا التحول هم أولئك الذين أظهروا تواضعًا فكريًا، واعترفوا بحدود المعرفة، وشرحوا التعقيد دون تعالٍ. هذه المقاربة لا تُضعف مكانة الخبير، بل تعزز الثقة به.
أدوات عملية للجمع بين الخبرة والتأثير
تبسيط الخطاب دون الإخلال بالمضمون
شرح المفاهيم المعقدة باستخدام أمثلة وتشبيهات قريبة من الواقع.
إظهار البعد الإنساني للخبير
مشاركة التجارب الشخصية، والتحديات، ومسار التعلم يخلق علاقة أقرب مع الجمهور.
اختيار المنصة المناسبة لكل رسالة
المحتوى القصير للتوعية السريعة، والمحتوى الطويل للتحليل المتعمق.
التعاون مع المؤثرين المسؤولين
الشراكات الذكية توسّع دائرة الوصول وتحافظ على جودة المحتوى.
تعزيز التفكير النقدي لدى الجمهور
بدل فرض الآراء، يتم تزويد الناس بأدوات التحليل والتمييز بين المعلومات.
هذه الخطوات لا تهدف إلى منافسة المؤثرين، بل إلى بناء نموذج جديد للتواصل المعرفي.
نحو توازن جديد بين المعرفة والانتشار
الخبرة لم تختفِ، لكنها تغيّرت. وما يوضحه كتاب هل استبدل المؤثرون بالخبراء؟ هو أن المستقبل لا يكمن في صراع بين الطرفين، بل في تعايش ذكي بين الصرامة العلمية وقوة السرد.
فالمعرفة التي لا تصل إلى الناس تفقد تأثيرها، والتأثير الذي لا يستند إلى معرفة حقيقية قد يصبح خطرًا. التحدي اليوم هو الجمع بين الاثنين، وهذا ما يدعو إليه هذا الكتاب بوضوح وعمق.
اكتشف كتاب هل استبدل المؤثرون بالخبراء؟ الآن على FIVE MINUTES!




Français