في عالم تتدفق فيه المعلومات بلا توقف، لم يعد من السهل إنهاء قراءة مقال، أو متابعة اجتماع دون تشتيت، أو إكمال مهمة دون الانجراف إلى إشعارات الهاتف. ما كان في الماضي مجرد تشتّت عابر، أصبح اليوم معضلة يومية. لكن، هل يعود هذا فقط إلى ضعف الإرادة؟ أم أن هناك أسبابًا أعمق؟
هذا المقال مستوحى من كتاب لماذا يصعب علينا التركيز؟ للمؤلف لويس فيردان (Léwis Verdun)، ويستعرض فيه الأسباب الخفية وراء تراجع قدرتنا على التركيز، ويقدّم نصائح علمية وعملية لاستعادة السيطرة على عقولنا في عصر التكنولوجيا المتسارعة.
الدماغ البشري لا يجيد تعدد المهام
تُروّج ثقافتنا الحديثة لفكرة أن الإنسان العصري يجب أن يتقن القيام بعدة مهام في وقت واحد. لكن الدراسات الحديثة في علم الأعصاب، والتي يعرضها الكتاب، تؤكد أن الدماغ لا يعمل بهذه الطريقة.
عند التنقل بسرعة بين المهام، يواجه الدماغ ما يُعرف بـ "تكلفة التبديل"، وهي خسارة إدراكية تقلّل من الفعالية وتضعف الذاكرة قصيرة المدى.
البيئة الرقمية تُغذّي هذا النمط: نرد على الرسائل أثناء مشاهدة عروض تقديمية ونراجع ملفات العمل أثناء تصفّح وسائل التواصل. لكن هذه الطريقة تُفكك انتباهنا، تُخفض إنتاجيتنا، وتُرهق عقولنا بشكل مزمن.
كيف تتحكم التطبيقات في نظام المكافأة في أدمغتنا
يسلط أحد أهم فصول الكتاب الضوء على كيفية تصميم التطبيقات والشبكات الاجتماعية بشكل متعمّد لاختطاف انتباهنا من خلال تفعيل نظام المكافأة في الدماغ.
كل إشعار، إعجاب، أو محتوى جديد يُفرز دفعة من "الدوبامين"، وهو ناقل عصبي يرتبط بالشعور بالمكافأة الفورية.
ومع مرور الوقت، يصبح الدماغ مدمنًا على التحفيز السريع، ويعاني من صعوبة شديدة في التعايش مع الهدوء أو التركيز لفترات طويلة. المشكلة ليست في ضعف الإرادة، بل في بيئة مصممة بدقة لخطف التركيز.
الضغط، قلة النوم، والبيئة: أعداء التركيز الصامتون
إلى جانب العوامل التكنولوجية، يتحدث الكاتب عن عوامل حياتية وجسدية تؤثر سلبًا على الانتباه والتركيز:
الضغط النفسي المزمن: يُفعّل استجابة التوتر في الدماغ ويقلل من القدرة على الانتباه الانتقائي.
نقص النوم: يُضعف مرونة الدماغ ويؤثر على وظائف الذاكرة والانتباه.
الضوضاء والفوضى البيئية: تُرهق الحواس وتعيق التركيز العميق.
يضاف إلى ذلك نمط الحياة غير الصحي، مثل النظام الغذائي الغني بالسكريات وفقير بالأحماض الدهنية الأساسية، مما يضعف الأداء العقلي بشكل عام.
أحد أبرز نقاط قوة الكتاب هو أنه لا يكتفي بشرح المشكلة من منظور علمي، بل يربطها بحلول تطبيقية تناسب نمط الحياة الحديث.
استراتيجيات عملية لاستعادة التركيز
فيما يلي بعض النصائح المستخلصة من الكتاب، والتي تساعد على بناء تركيز قوي ومستقر:
اتباع نظام MIND الغذائي
تم تطويره لحماية وظائف الدماغ، وهو يجمع بين خصائص النظام الغذائي المتوسطي ونظام DASH. ينصح بتناول:
الخضروات الورقية مثل السبانخ والكرنب
الفواكه الحمراء مثل التوت والفراولة
الحبوب الكاملة
المكسرات والأسماك الدهنية
ممارسة التأمل واليقظة الذهنية (Mindfulness)
بضع دقائق يوميًا من التأمل أو التنفس الواعي كافية لإعادة تدريب الدماغ على التركيز في اللحظة الحالية.
يساعد ذلك على تعزيز التركيز المستمر وتقليل التشتّت الذهني.
أخذ فواصل نشطة خلال العمل
كل 45 دقيقة، خذ استراحة قصيرة: قم بالمشي، تمدّد، أو مارس تمارين تنفس عميق.
هذه الفواصل تُنعش الذهن وتُعيد شحن طاقتك الذهنية.
تهيئة بيئة العمل
حافظ على مكتب خالٍ من الفوضى، وأغلق الإشعارات المزعجة، واعتمد على أدوات تركيز مثل تقنية بومودورو (Pomodoro).
البيئة المحيطة تلعب دورًا أساسيًا في تعزيز أو تقويض التركيز.
العودة إلى الطبيعة
تشير الدراسات الحديثة (2024–2025) إلى أن المشي في الحدائق أو الغابات يقلّل من الإرهاق الذهني، ويعزّز الانتباه، ويُحسّن المزاج.
عدم القدرة على التركيز ليست ضعفًا شخصيًا ولا قدرًا محتومًا، بل انعكاس لبيئة تستهلك انتباهنا بشكل مفرط.
من خلال فهم الآليات التي تُضعف التركيز – سواء أكانت تكنولوجية أو جسدية أو نفسية – يمكننا استعادة السيطرة على عقولنا.
كتاب لويس فيردان لا يكتفي بتشخيص المشكلة، بل يرشد القارئ إلى خطوات واقعية وسهلة التنفيذ لاستعادة التركيز.
إنه كتاب صغير، سهل القراءة، غني بالمعلومات العلمية الحديثة، ويصلح لأي شخص يسعى إلى استعادة راحة البال والوضوح الذهني في عصر مزدحم.
اكتشف الآن كتاب لماذا يصعب علينا التركيز؟ (باللغة العربية) على FIVE MINUTES.




Français