في عالم يتسارع فيه تغيّر المناخ، وتزداد فيه ندرة المساحات، ويرتفع فيه منسوب البحار باستمرار، لم يعد من الممكن تصميم المدن بالطريقة التقليدية. فمدن الغد يجب أن تكون مرنة، قابلة للتكيّف، ومرتبطة بعمق ببيئتها الطبيعية. هذا التحوّل ليس توجهاً عابراً، بل ضرورة وجودية. يستلهم هذا المقال أفكاره من كتاب مستقبل المدن: تحت الأرض أم عائمة؟ للكاتب لويس فيردان (Léwis Verdun)، ليستعرض أسس التخطيط الحضري المستدام، ويبحث في السبل الكفيلة ببناء مدن قادرة على الصمود أمام الصدمات البيئية القادمة.
التخطيط الحضري المستدام: استجابة حتمية لتحديات القرن الحادي والعشرين
أدّت وتيرة التحضّر السريعة إلى توسّع هائل للمدن الكبرى، وكثير منها غير مهيأ لمواجهة الأزمات المناخية. واليوم، أصبحت المرونة الحضرية هي الكلمة المفتاح: لم يعد البناء وحده كافياً، بل لا بد من التوقّع، والتكيّف، والحماية.
تؤدي ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية، التي تفاقمها الخرسانة والإسفلت، إلى تكوين مناخات محلية خانقة. وفي الوقت نفسه، يهدد ارتفاع مستوى سطح البحر مدناً ساحلية بأكملها. ومن دون تحوّل واضح نحو التخطيط الحضري المستدام، ستتفاقم هذه الظواهر، مما يعرّض صحة الملايين وأمنهم وجودة حياتهم للخطر.
ولا يقتصر التخطيط الحضري المستدام على زراعة بعض الأشجار أو خفض استهلاك الطاقة، بل يتطلب تحولاً جذرياً في طريقة تصور المدن: دمج الطبيعة، ومرونة استخدام المساحات، والاستباق في إدارة المخاطر. ويشمل ذلك حلولاً جذرية، مثل البناء تحت سطح الأرض أو فوق المياه.
مدن تحت الأرض أم مدن عائمة؟ رؤيتان لمدينة متكيفة مع المناخ
يستعرض كتاب لويس فيردان مسارين واقعيين، وإن بدوا للبعض متطرفين: المدن تحت الأرض والمدن العائمة. هذه النماذج ليست خيالاً علمياً، بل مشاريع حقيقية قيد التنفيذ بدرجات متفاوتة حول العالم.
فالمدن تحت الأرض، مثل تلك التي طُوّرت في هلسنكي، تستفيد من الاستقرار الحراري للتربة، وتوفر حماية طبيعية من الظواهر المناخية المتطرفة، كما تتيح تحرير المساحات السطحية للحدائق، أو المشاة، أو الزراعة الحضرية. لكنها في المقابل تواجه تحديات كبيرة، مثل التهوية، والإضاءة، والتأثير النفسي للأماكن المغلقة، وتكاليف الحفر المرتفعة.
أما المدن العائمة، مثل مشروع OCEANIX بوسان المدعوم من الأمم المتحدة، فتقترح نموذجاً عمرانياً مرناً قادراً على التكيّف مع تغيّر مستوى المحيطات. ويمكن لهذه الهياكل أن تستوعب آلاف السكان مع تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة والغذاء. ومع ذلك، فهي تواجه أيضاً عقبات تتعلق بالاستقرار، وأنظمة التثبيت، وتوفير المياه الصالحة للشرب، وإدارة النفايات، والاندماج الاجتماعي.
وعلى الرغم من اختلاف التحديات التي تعالجها، فإن هذين النموذجين يشتركان في هدف واحد: تكييف المدينة مع بيئتها بدلاً من محاولة السيطرة عليها.
عندما تلهم الطبيعة التخطيط الحضري: المحاكاة الحيوية والتصميم التكيفي
أمام حدود البنى التحتية التقليدية، يبرز توجه متنامٍ هو المحاكاة الحيوية. يقوم هذا النهج على استلهام آليات الطبيعة لتصميم هياكل أكثر مرونة. فبعض المدن، على سبيل المثال، تدرس أنظمة تهوية طبيعية مستوحاة من بيوت النمل الأبيض، أو أرضيات تمتص مياه الأمطار كما تفعل تربة الغابات.
وفي مجال العمران العائم، يستلهم المعماريون الشعاب المرجانية وأشجار المانغروف لقدرتها على امتصاص طاقة الأمواج وتثبيت التربة. أما في المدن تحت الأرض، فتوفّر أنظمة الجذور نموذجاً لتنظيم التهوية، وحركة التنقّل، وإمدادات المياه.
ويجمع هذا التصميم التكيفي أيضاً بين الطبيعة والتكنولوجيا الذكية، مثل أجهزة الاستشعار المناخية، وأنظمة إدارة الطاقة الآلية، والمساحات القابلة للتعديل. والغاية هي إنشاء مدن حيّة قادرة على التنظيم الذاتي والتكيّف المستمر مع محيطها.
دليل عملي: كيف نُعدّ المدن لمناخ المستقبل
فيما يلي مجموعة من الإجراءات العملية لإعادة التفكير في المدن من منظور التكيّف البيئي:
استراتيجيات التكيّف الحضري المستدام
تعزيز التخطيط الحضري العمودي لتحرير المساحات السطحية
إنشاء مناطق فيضانات مُتحكَّم بها وممرات خضراء عازلة
التوسّع في استخدام الأسطح الخضراء والواجهات النشطة
إعادة تأهيل المناطق الصناعية وربطها بالشبكات البيئية
تطوير مراكز نقل متعددة الوسائط لتقليل الاعتماد على السيارات
استخدام مواد بناء محلية ومستدامة حيوياً
أمثلة على مدن رائدة
سنغافورة: دمج واسع النطاق للبنية التحتية الخضراء
كوالالمبور: نفق SMART الذي يجمع بين النقل وتصريف الطوارئ
روتردام: حي Schoonschip العائم كنموذج تجريبي
كوبنهاغن: استراتيجية “المدينة الإسفنجية” لامتصاص مياه الأمطار
أدوات أساسية للمخططين وصنّاع القرار
نظم المعلومات الجغرافية (GIS): لرسم خرائط مناطق الخطر
تحليل دورة الحياة (LCA): لتقييم الأثر البيئي لمواد البناء
تخطيط مرن: لتصميم مساحات متعددة الاستخدامات
إن السؤال الذي يطرحه كتاب مستقبل المدن: تحت الأرض أم عائمة؟ يتجاوز البعد التقني ليصبح قضية حضارية. فالقرارات الحضرية التي نتخذها اليوم سترسم ملامح العالم الذي ستعيش فيه الأجيال القادمة. سواء اخترنا التوسّع في أعماق الأرض أو فوق سطح المياه، فإننا مطالبون بالتحلّي بالإبداع، والواقعية، وروح المسؤولية.
ولا يقدّم لويس فيردان حلاً واحداً نهائياً، بل يدعو إلى نهج هجين ومرن، يتكيّف مع خصوصية كل إقليم. فبعض المناطق ستستفيد من إمكانات باطن الأرض، وأخرى من آفاق البحار. والأهم هو توسيع الخيال، والتعلّم من التجارب القائمة، وفهم أن مستقبل المدن مرهون بقدرتها على التعايش مع كوكب الأرض.
اكتشف الآن كتاب مستقبل المدن: تحت الأرض أم عائمة؟ على FIVE MINUTES!




Français