في عالم يبدو فيه الوصول إلى الإنترنت ضروريًا بقدر الكهرباء أو المياه الجارية، غالبًا ما يُنظر إلى فكرة العيش من دون الإنترنت على أنها غير واقعية، بل وحتى متطرفة. ومع ذلك، أصبحت هذه المسألة حاضرة بشكل متزايد في النقاشات المعاصرة، عند تقاطع الصحة النفسية وعدم المساواة الاجتماعية وعلاقتنا بالوقت. وبين فرط الاتصال الدائم والسعي إلى المعنى، يتساءل كثيرون: هل ما زال لدينا خيار؟ وإذا كان الأمر كذلك، فبأي شروط يمكن أن يصبح العيش من دون الإنترنت خيارًا ممكنًا، إن لم يكن دائمًا فعلى الأقل جزئيًا؟
الاعتماد الرقمي: ظاهرة يُستهان بها كثيرًا
لم يعد الاعتماد الرقمي مقتصرًا على المراهقين فقط. فالإشعارات المستمرة، وأدوات المراسلة المهنية، وشبكات التواصل الاجتماعي، ومنصات البث، باتت تشكّل الحياة اليومية لمختلف الأجيال. وأصبح تفقد الهاتف عشرات المرات يوميًا سلوكًا اعتياديًا نادرًا ما يُساءل.
غير أن العواقب موثّقة جيدًا: اضطرابات في الانتباه، إرهاق ذهني، توتر مزمن، وارتفاع مستويات القلق. ووفقًا لعدة دراسات حديثة، فإن التعرض المستمر للشاشات يضعف قدرتنا على التركيز لفترات طويلة ويخلّ بالتوازن العاطفي. لذا يبدو العيش من دون الإنترنت، أو على الأقل تقليل استخدامه بشكل كبير، كاستجابة محتملة لحالة تشبّع رقمي أصبحت بنيوية.
ويطرح هذا الاعتماد أيضًا مسألة الحرية الفردية. فهل يمكن حقًا الحديث عن خيار عندما تعتمد معظم الإجراءات الإدارية والمهنية والاجتماعية على الأدوات الرقمية؟ يتجاوز هذا النقاش الإطار الشخصي ليصبح قضية مجتمعية.
الفجوة الرقمية وعدم تكافؤ الوصول
بينما يسعى بعض الأشخاص إلى الانفصال الرقمي طوعًا، هناك آخرون لا يملكون أصلًا إمكانية الوصول إلى الإنترنت. فما زال أكثر من ملياري شخص حول العالم خارج نطاق الاتصال. وتكشف هذه الفجوة الرقمية واقعًا غالبًا ما يتم تجاهله: فالعيش من دون الإنترنت ليس دائمًا خيارًا، بل قد يكون في أحيان كثيرة قيدًا مفروضًا.
في المناطق الريفية، والمناطق النائية، وبعض الدول النامية، يحدّ غياب الاتصال من الوصول إلى التعليم والمعلومات والخدمات العامة. ويؤدي ذلك إلى ظلم مزدوج: من جهة، فرط اتصال يسبّب معاناة نفسية؛ ومن جهة أخرى، إقصاء رقمي يعيق التمكين الاجتماعي والاقتصادي.
ومن ثم، فإن التفكير في إمكانية العيش من دون الإنترنت يقتضي التمييز بين البساطة الرقمية المختارة والحرمان الرقمي المفروض. وأي مقاربة متوازنة يجب أن تدمج هذا البعد الجماعي والسياسي، لا سيما في ما يتعلق بالسياسات العامة وتخطيط الأقاليم.
مجتمعات غير متصلة وبدائل واقعية
خلافًا للاعتقاد الشائع، فإن العيش من دون الإنترنت ليس فكرة نظرية بحتة. فبعض المجتمعات تمارسه فعليًا في حياتها اليومية. فعلى سبيل المثال، يرفض الأميش عمدًا معظم التقنيات الرقمية حفاظًا على روابطهم الاجتماعية ونمط حياتهم. كما أن بعض القرى المعزولة لا تزال تعمل مع وصول محدود جدًا إلى الشبكة، ما يثبت وجود نماذج بديلة.
وفي الآونة الأخيرة، ظهرت توجهات جديدة حتى داخل المجتمعات شديدة الاتصال. فقد عاد الاهتمام بالهواتف البسيطة، المعروفة أحيانًا باسم “الهواتف غير الذكية”، لا سيما لدى جزء من جيل زد. تتيح هذه الأجهزة إجراء المكالمات وإرسال الرسائل فقط، من دون تطبيقات مستنزِفة للوقت، ما يوفر حلًا وسطًا بين الحد الأدنى من الاتصال والحرية الذهنية.
ولا تعني هذه الخيارات رفضًا كاملًا للتقدم، بل تعكس رغبة في استعادة السيطرة على الانتباه. وهكذا يصبح العيش من دون الإنترنت أقل قطيعة وأكثر تعديلًا واعيًا في أنماط الاستخدام.
الانفصال الرقمي والبساطة الرقمية: آثار حقيقية وحدود
أصبح الانفصال الرقمي، سواء كان مؤقتًا أو دوريًا، استجابة شائعة لفرط الاتصال. وتشير الدراسات إلى أن أسبوعًا واحدًا من دون شبكات التواصل الاجتماعي يمكن أن يقلل القلق بنسبة 16% وأعراض الاكتئاب بنسبة 25%. وتعكس هذه الأرقام المتداولة أثرًا حقيقيًا على الصحة النفسية.
غير أن هذه الفوائد غالبًا ما تتلاشى بسرعة عند العودة إلى العادات الرقمية السابقة. ويبرز ذلك حدًا مهمًا: فالانفصال المؤقت لا يكفي إذا لم تتم معالجة الأسباب البنيوية للاعتماد الرقمي. فالإشعارات والخوارزميات والضغط الاجتماعي تعاود جذب الانتباه فور العودة إلى الاتصال.
وتقترح البساطة الرقمية مقاربة أكثر استدامة. فهي لا تدعو إلى العيش من دون الإنترنت بشكل مطلق، بل إلى وضع قواعد واضحة: استخدام مقصود، تقليل وقت الشاشة، وإعطاء الأولوية للتفاعلات الإنسانية. وتسمح هذه المقاربة التدريجية بدمج التكنولوجيا في الحياة دون أن تهيمن عليها بالكامل.
كيف نقلل الاعتماد الرقمي بشكل عملي
إن تبني علاقة أكثر صحة مع العالم الرقمي يمر عبر خطوات بسيطة ومتاحة للجميع. وفيما يلي بعض الممارسات المستوحاة من نهج البساطة الرقمية:
تحديد فترات خالية من الشاشات، خصوصًا في الصباح وقبل النوم.
إيقاف الإشعارات غير الضرورية للحد من المقاطعات المستمرة.
تجميع المهام الرقمية لتفادي التحقق القهري المتكرر.
تفضيل الأدوات غير المتصلة بالإنترنت للقراءة أو الكتابة أو التنظيم الشخصي.
تخصيص أوقات خالية من الهواتف أثناء الوجبات أو الأنشطة الاجتماعية.
لا تهدف هذه الاستراتيجيات إلى فرض حياة جامدة من دون الإنترنت، بل إلى إعادة القيمة للوقت غير المتصل. فهي تعزز التركيز، وتحسن جودة النوم، وتقوي العلاقات الإنسانية.
نقاش مجتمعي يتجاوز الخيار الفردي
إن مسألة العيش من دون الإنترنت تتجاوز بكثير الإطار الشخصي. فهي تطرح تساؤلات حول نموذجنا الاقتصادي القائم إلى حد كبير على اقتصاد الانتباه، وكذلك حول دور المؤسسات. وأصبح تشجيع سياسات عامة تضمن وصولًا عادلًا إلى الرقمنة، وفي الوقت نفسه تروّج لاستخدامات مسؤولة، تحديًا محوريًا.
وقد بدأت بالفعل مبادرات بالظهور، مثل إدماج التربية الرقمية في المناهج الدراسية أو الاعتراف بحق “الانفصال” في بيئة العمل. وتُظهر هذه التطورات أن الحل لا يكمن في الرفض الكامل للتكنولوجيا، بل في تنظيم جماعي واعٍ.
وضمن السلسلة نفسها، تتناول كتب أخرى صادرة عن Five Minutes كيف تعيد التقنيات الرقمية تشكيل مجتمعاتنا، مقدّمة رؤى مكمّلة لفهم هذه التحولات المعاصرة.
إن سؤال «هل يمكن العيش من دون الإنترنت؟» لا يملك إجابة واحدة. بل هو دعوة إلى تفكير متوازن في عاداتنا وأولوياتنا وقدرتنا على الحفاظ على توازن بين الاتصال والرفاه النفسي. وبعيدًا عن المواقف المتطرفة، يفتح هذا التفكير المجال لاستعادة الوقت والانتباه والعلاقات الإنسانية.
للتعمق أكثر في هذا الموضوع واكتشاف تحليل موثّق ونقدي وسهل الوصول، اكتشف كتاب «العيش من دون الإنترنت، هل هو ممكن؟» للكاتب لويس فيردان (Léwis Verdun) الآن على FIVE MINUTES.




Français