في كل دقيقة، يُرمى في المحيطات ما يعادل شاحنة نفايات من البلاستيك. هذه الصورة الصادمة تُجسّد حجم الكارثة البيئية التي نواجهها. فالبلاستيك، الذي كان في الماضي رمزاً للتقدّم، أصبح اليوم من أخطر التهديدات البيئية العالمية. هل يمكن أن يختفي البلاستيك بالفعل؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه لويس فيردان (Léwis Verdun) في كتابه هل يمكن أن يختفي البلاستيك؟، حيث يعرض تحليلاً معمقًا لأزمة التلوث البلاستيكي من منظور علمي واجتماعي. في هذا المقال، نستعرض موضوعًا متصلًا لا يقل أهمية: ما هي الحلول المستدامة التي يمكن أن تساعدنا على الخروج من عصر البلاستيك؟

لماذا أصبح التلوث البلاستيكي تحديًا عالميًا؟

منذ اختراعه، غزا البلاستيك كل مجالات حياتنا: التغليف، الملابس، البناء، الطب، التكنولوجيا. ميزته الأساسية هي المتانة، لكنه لا يتحلل بسهولة، مما يجعله يشكل تهديدًا طويل الأمد على البيئة. فمثلاً، قد يستغرق كيس بلاستيكي عادي 400 سنة ليتحلل.

وقد أظهرت الدراسات أن جزيئات البلاستيك الدقيقة موجودة الآن في المياه، والتربة، والهواء، بل وتم اكتشافها في المشيمة البشرية، وفي الدم، وحتى في الدماغ. وبالتالي، لم يعد الأمر مجرد قضية بيئية، بل أصبح أزمة صحية عالمية.

يتم إنتاج أكثر من 400 مليون طن من البلاستيك سنويًا، ولكن لا يُعاد تدوير سوى أقل من 10% منها فعليًا. أما الباقي فيُحرق أو يُلقى في الطبيعة، مما يساهم في إطلاق مواد سامة وخطيرة.

التغيير الجذري: إعادة التفكير في علاقتنا مع البلاستيك

التخلي التام عن البلاستيك ليس بالأمر السهل، ولكن يمكننا إحداث تحول جذري في الطريقة التي ننتج بها البلاستيك ونستهلكه ونديره. وهذا يتطلب خطة شاملة تستند إلى أربعة محاور أساسية:

  • الحد من الاستهلاك من المصدر: تقليل استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام، وتعزيز البدائل القابلة لإعادة الاستخدام، وتطبيق قوانين صارمة

  • تصميم منتجات ذكية ومستدامة: دعم التصميم البيئي لتصنيع منتجات قابلة للإصلاح وإعادة التدوير

  • تطوير بدائل للبلاستيك التقليدي: مثل البلاستيك الحيوي المصنوع من الطحالب أو النشاء أو نفايات زراعية قابلة للتحلل

  • تحسين أنظمة إعادة التدوير: من خلال الاستثمار في إعادة التدوير الكيميائي، وتقنيات الفرز المتطورة، والاعتماد على الكائنات الحية الدقيقة القادرة على تفكيك البوليمرات البلاستيكية

هذه الركائز ليست متعارضة، بل متكاملة، ومن خلال تنفيذها معًا يمكننا البدء في بناء عالم خالٍ من التلوث البلاستيكي.

الابتكار البيئي: رافعة أساسية للتغيير

يسلط كتاب لويس فيردان الضوء على العديد من المبادرات المبتكرة والملهمة التي تمثل بارقة أمل. فالابتكار لا يقتصر على التكنولوجيا، بل يشمل أيضًا المواد، والأساليب الصناعية، والسياسات العامة، وتغيير السلوك الاجتماعي.

من الأمثلة الرائدة، "الكائنات الآكلة للبلاستيك"، وهي بكتيريا أو فطريات قادرة على تحليل بعض أنواع البلاستيك. وقد نجح العلماء في اكتشاف أنواع قادرة على تفكيك مادة PET (البولي إيثيلين تيريفثاليت) خلال أيام، بينما تحتاج هذه المادة إلى مئات السنين لتتحلل طبيعيًا.

كذلك، تتطور أنواع البلاستيك الحيوي بسرعة، حيث تُنتج من مصادر طبيعية مثل الذرة أو البطاطا أو الأعشاب البحرية. لكن من المهم الانتباه إلى أن ليست كل أنواع البلاستيك الحيوي قابلة للتحلل، وبعضها قد يسبب مشاكل بيئية جديدة إذا لم يُستخدم بحذر.

وتُظهر المبادرات الجماعية أيضًا الطريق: مدن تسعى إلى خفض استهلاك البلاستيك إلى الصفر، قوانين محلية ودولية تحظر استخدام المنتجات البلاستيكية، ومشاريع مجتمعية لإعادة التدوير. جميع هذه التحركات تشير إلى توجه عالمي نحو اقتصاد دائري يعيد تدوير الموارد بدلاً من التخلص منها.

خطوات عملية: من الأفراد إلى المجتمعات

التحول الحقيقي لا يحدث إلا بتضافر الجهود من الحكومات، والشركات، والأفراد. وبينما تُعتبر السياسات العامة ضرورية، للخيارات الفردية تأثير مباشر لا يُستهان به.

إليك بعض الخطوات التي يمكن اتباعها للمساهمة في تقليل التلوث البلاستيكي:

على المستوى الفردي:

  • تجنب المنتجات ذات التغليف المفرط

  • استخدام أكياس وزجاجات وحاويات قابلة لإعادة الاستخدام

  • شراء المنتجات غير المغلفة أو المعبأة بكميات كبيرة

  • اختيار مواد أكثر ديمومة مثل الزجاج أو الفولاذ أو الخشب

  • فرز النفايات المنزلية وإعادة التدوير بشكل صحيح

  • الانخراط في حملات تنظيف أو دعم منظمات بيئية

على المستوى الجماعي:

  • دعم الشركات والمشاريع البيئية المستدامة

  • الضغط على البلديات لتوفير أنظمة فرز وتدوير فعّالة

  • نشر التوعية البيئية في المدارس والمساجد والأماكن العامة

  • المطالبة بتشريعات أكثر صرامة ضد استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام

الخلاصة ورابط الكتاب

اختفاء البلاستيك لا يعني التخلص من المادة بالكامل، بل يعني إعادة النظر في استخدامه بشكل عقلاني ومستدام. وكما يؤكد لويس فيردان في كتابه هل يمكن أن يختفي البلاستيك؟، فإن القضاء على التلوث البلاستيكي يتطلب تحولًا جذريًا شاملاً يشمل الابتكار، والقرارات السياسية، والمشاركة المجتمعية.

هذا الكتاب، الصادر عن دار النشر Five Minutes ضمن سلسلة PLANÈTE AVENIR (كوكب المستقبل)، هو مرجع موجز وثري يقدم حقائق واضحة، وأمثلة حقيقية، وسبلًا عملية للمساهمة في التغيير.

اكتشف الآن هل يمكن أن يختفي البلاستيك؟ على موقع FIVE MINUTES. قراءة ضرورية لكل من يسعى إلى مستقبل خالٍ من التلوث البلاستيكي.