غالبًا ما ترتبط الرياضة بالأداء البدني، والتحمّل، والمظهر الجسدي. لكن خلف هذا الجهد العضلي تكمن قوة أخرى أقل تقديرًا: قدرتها على تغيير النفس والعقل. في ظل الارتفاع المستمر لمعدلات الاضطرابات النفسية في المجتمعات الحديثة، أصبح الربط بين النشاط البدني والتوازن النفسي أمرًا لا غنى عنه. بينما لا تُعدّ الرياضة علاجًا سحريًا، إلا أنها تمثل أداة فعّالة للوقاية، وبناء المرونة النفسية، بل وحتى التعافي.
مستوحى من كتاب كيف تُعزز الرياضة الصحة النفسية للمؤلف لويس فيردان، يتناول هذا المقال موضوعًا ذا صلة مباشرة بمحتوى الكتاب: دور الرياضة في بناء مجتمع أكثر مرونة في مواجهة التحديات النفسية. إنه مسار ذو بُعد فردي وجماعي، ويمس صميم قضايا الصحة العامة.
الرياضة: سلاح ناعم لمواجهة الهشاشة النفسية
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن شخصًا واحدًا من كل ثمانية بالغين حول العالم يُعاني من اضطراب نفسي. الاكتئاب، القلق، الاحتراق النفسي... كلها حالات غير مرئية تُصيب مختلف الفئات والأعمار. في مواجهة هذه الجائحة الصامتة، تتجه الأنظمة الصحية للبحث عن حلول بديلة للعلاج الدوائي.
هنا تُبرز الرياضة دورها. إذ تساهم ممارسة النشاط البدني المنتظم في إفراز النواقل العصبية مثل: الدوبامين، السيروتونين، والإندورفين، المعروفة باسم "هرمونات السعادة". وتشير دراسات متعددة إلى أن التمرينات تقلل من مستويات الكورتيزول، وهو هرمون التوتر، ما يجعلها مضاد اكتئاب طبيعي.
وفوق ذلك، تُعيد الرياضة ترتيب الأفكار، وتُضفي على اليوم هيكلًا وروتينًا، وتُعيد الدافع والإرادة. فهي بمثابة حبل نجاة في فترات الضعف والانهيار.
النشاط البدني كوسيلة للتواصل الاجتماعي وتعزيز التماسك المجتمعي
في عالم يتزايد فيه الشعور بالوحدة والعزلة، أصبحت أماكن ممارسة الرياضة فضاءات حيوية للتلاقي والتفاعل. النوادي، الجمعيات، مجموعات المشي أو اللياقة، كلها تُعزز روح الانتماء، وتُقلل من الشعور بالوحدة، وتُشجع على الدعم المتبادل.
بالنسبة للفئات الهشة — مثل الشباب المنقطع عن الدراسة، كبار السن، أو ذوي الاحتياجات الخاصة — تُعدّ الرياضة وسيلة للاندماج. فهي تمنحهم مكانة وهوية وشعورًا بالقيمة. كما أن الرياضات الجماعية تُعزز الثقة بالنفس، وتُحسن من نوعية العلاقات الاجتماعية.
وعلى الصعيد التربوي، فإن إدماج منهجيات رياضية قائمة على الرعاية في المدارس والأحياء الشعبية يُساعد الأطفال والمراهقين على تطوير قدرتهم على التنظيم العاطفي. ولهذا السبب تعتمد الكثير من البرامج الوقائية على الرياضة كأداة للتواصل والدعم.
السياسات العامة لا تزال خجولة
رغم أن الفوائد النفسية للرياضة موثقة علميًا، فإن الوصول إليها لا يزال غير متاح للجميع. فالفوارق بين المناطق، وتدهور البنية التحتية، وارتفاع التكلفة تجعل من الصعب ممارسة الرياضة بانتظام. لذا، يجب التعامل مع النشاط البدني باعتباره حقًا أساسيًا، على غرار التعليم والرعاية الصحية.
بعض البلديات بادرت بخطوات مبتكرة: مثل برامج "الرياضة بوصفة طبية"، أو توفير مسارات للمشي داخل المدن، أو تمويل الجمعيات الرياضية ذات الطابع الشمولي. لكن هذه المبادرات ما زالت محدودة. ويؤكد كتاب كيف تُعزز الرياضة الصحة النفسية على ضرورة التفكير بمنهج شامل: تشجيع رياضة متاحة للجميع، خالية من ضغوط الأداء، تُمارس في بيئات آمنة وداعمة.
كما يتطلب الأمر تدريب المدربين والمعلمين الرياضيين على البُعد النفسي لمهنتهم. فهم ليسوا معالجين نفسيين، لكنهم قادرون على لعب دور مهم في الوقاية وتعزيز التوازن النفسي.
نصائح عملية للربط بين النشاط البدني والصحة النفسية
للمبتدئين أو من يعيشون نمطًا خاملًا:
ابدأ بالمشي السريع لمدة 15 دقيقة يوميًا
اختر تمارين لطيفة مثل اليوغا أو السباحة أو ركوب الدراجة
انضم إلى مجموعة لتشجيعك على الاستمرارية
للأطفال والمراهقين:
قدّم الرياضة لهم على أنها متعة، لا منافسة
شجعهم على الانخراط في رياضات جماعية أو فنية (كالرقص أو الفنون القتالية)
وازن بين وقت الشاشة والنشاط البدني
لمن يعاني من القلق أو الاكتئاب:
اختر التمارين الإيقاعية مثل الجري أو الملاكمة لتفريغ التوتر
ركز على الانتظام، لا على النتائج
وازن بين فترات النشاط والراحة
للمسنين:
مارس تمارين التوازن وتقوية العضلات الخفيفة
اشترك في حصص جماعية مناسبة لسنّك
اختر أنشطة في الهواء الطلق لتعزيز المزاج
لم تعد الصحة النفسية من المحرمات، بل أصبحت في صميم تحديات العصر. وأمام تنامي الاضطرابات النفسية، تبقى الرياضة وسيلة فعّالة، طبيعية، ومتاحة للجميع لاستعادة التوازن والثقة بالنفس — بشرط أن تُمارس في بيئة خالية من الضغوط والتقييمات.
يُسلّط كتاب كيف تُعزز الرياضة الصحة النفسية للمؤلف لويس فيردان الضوء على هذه القضايا بكل وضوح وعمق. إنه دليل عملي وتأملي موجه لكل من يهتم بتربية الأجيال، وصياغة السياسات، وبناء مجتمع أكثر صحة وتضامنًا.
اكتشف الآن كتاب كيف تُعزز الرياضة الصحة النفسية باللغة العربية على FIVE MINUTES.




Français