تبدو علاقتنا بالألوان عالمية وبديهية. السماء زرقاء، العشب أخضر، والدم أحمر. لكن هذه البداهة تبدأ في التلاشي بمجرد أن نهتم بلغات العالم. فبعض الثقافات لا تمتلك كلمات محددة للألوان التي نعدّها أساسية. هذه الحقيقة، التي كثيرًا ما يُساء فهمها، تطرح سؤالًا جوهريًا: هل يعني غياب الكلمة غياب الإدراك؟ تُظهر الأبحاث الحديثة في علم اللغة والعلوم الإدراكية أن الإجابة أكثر تعقيدًا، وتكشف بعمق عن الكيفية التي تشكّل بها اللغة رؤيتنا للعالم.
العلاقة المعقدة بين اللغة وإدراك الألوان
لفترة طويلة، كان يُعتقد أن إدراك الألوان مسألة بيولوجية بحتة، وبالتالي متطابقة لدى جميع البشر. غير أن الدراسات اللغوية أظهرت أنه رغم عالمية القدرة البصرية، فإن طرق تصنيف الألوان تختلف اختلافًا كبيرًا من لغة إلى أخرى.
في بعض المجتمعات، لا توجد كلمات منفصلة للأزرق والأخضر، بل ولا توجد أحيانًا مصطلحات مجردة تشير إلى اللون بوصفه فئة مستقلة. هذا لا يعني أن هذه الشعوب لا تستطيع رؤية هذه الدرجات اللونية، بل إنها لا تعزلها لغويًا. تؤدي اللغة هنا دور مرشحٍ للانتباه، إذ تبرز التباينات التي تُعدّ ذات صلة بالحياة اليومية، وتترك غيرها في الخلفية.
تُظهر الدراسات الحديثة أن الإدراك البصري يبقى سليمًا، لكن الذاكرة، والتمييز السريع، والتعبير اللغوي عن الألوان تتأثر بالمفردات المتاحة. فاللغة لا تقيّد الرؤية، بل تنظّم الطريقة التي نفهم بها التجربة البصرية.
لماذا لا تمتلك بعض اللغات كلمات للألوان
يمكن تفسير غياب كلمات الألوان بعدة عوامل تاريخية وبيئية. فقد حدّد اللغويون تسلسلًا شبه عالمي لظهور المصطلحات اللونية. تبدأ اللغات عادةً بالتمييز بين الفاتح والداكن، ثم الأحمر، قبل أن تُدخل تدريجيًا الأصفر والأخضر، وأخيرًا الأزرق.
ويُعدّ الأزرق حالة نموذجية في هذا السياق. فهذا اللون نادر في الطبيعة على شكل أصباغ ثابتة. وفي كثير من المجتمعات التقليدية، أدّى غياب الأصباغ الزرقاء إلى تأخر ظهور مصطلح خاص به. وغالبًا ما يُوصَف لون السماء بالإشارة إلى سطوعها أو حالتها، بدلًا من تسميته كلون مجرد.
وتجسّد لغات مثل البيراهã في الأمازون، والمورسي في إثيوبيا، والوارلبيري في أستراليا هذا المنطق. فهي تصف الأشياء من خلال ملمسها أو لمعانها أو وظيفتها، أكثر من اعتمادها على الفئات اللونية. وهكذا تعكس المفردات الأولويات الثقافية والبيئية لكل شعب.
ما تكشفه الدراسات الميدانية عن الإدراك
لقد أسهمت الأبحاث التي أُجريت في السنوات الأخيرة على جماعات مثل تسيماني في الأمازون، والهيمبا في ناميبيا، في تجديد فهمنا للإدراك البشري بشكل عميق. وتُظهر هذه الدراسات أن اكتساب كلمات الألوان عملية طويلة، حتى في المجتمعات الصناعية، وأن حدود الفئات اللونية تختلف من لغة إلى أخرى.
فعند شعب تسيماني، على سبيل المثال، أدى الاحتكاك اللغوي والثنائية اللغوية إلى ظهور مصطلحات جديدة للألوان. وقد ترافق هذا التحول المعجمي مع تغييرات في استراتيجيات التصنيف، من دون أن يؤثر ذلك في الإدراك البصري نفسه.
وتؤكد هذه الملاحظات أن اللغة تؤثر في الإدراك ليس عبر تحديد ما نراه، بل من خلال تنظيم الطريقة التي نرتب بها المعلومات البصرية ونخزنها في الذاكرة. وهكذا تكشف التنوعات اللغوية عن استراتيجيات مختلفة للانتباه، لا عن قصور إدراكي.
التنوع اللغوي بوصفه مفتاحًا لفهم الثقافة
إن فهم أسباب عدم امتلاك بعض الثقافات كلمات للألوان يسمح بتجاوز النظرة المتمركزة حول اللغة الواحدة. فبدلًا من اعتبار ذلك نقصًا أو تأخرًا، يتحدث اللغويون اليوم عن استراتيجيات تكيفية. إذ تُبرز كل لغة التمييزات الأكثر فائدة للبقاء والتواصل ونقل الثقافة.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في زمن تتعرض فيه لغات كثيرة لخطر الاندثار. فبانقراض اللغات، تختفي أيضًا طرائق فريدة في رؤية العالم وتفسيره. ومن ثم، فإن دراسة كلمات الألوان تعني أيضًا الدفاع عن التنوع اللغوي بوصفه تراثًا إدراكيًا للإنسانية.
وللتعمق في هذا المنظور، يمكن الرجوع إلى الدراسات العلمية الحديثة حول العلاقة بين اللغة والإدراك، مثل تلك المنشورة في مجلة Nature Human Behaviour، التي تبيّن كيف تؤثر الفئات اللغوية في الانتباه من دون تغيير الإدراك الحسي.
ماذا تعلّمنا اللغات التي لا تحتوي على كلمات للألوان
لفهم هذه الظاهرة بشكل أفضل، فيما يلي بعض الخلاصات الأساسية المستمدة من الأبحاث المعاصرة:
غياب كلمة لونية لا يعني أبدًا غياب القدرة البصرية.
تتشكل الفئات اللونية تدريجيًا وفق الاحتياجات الثقافية والمادية.
غالبًا ما يكون الأزرق آخر لون تتم تسميته بسبب ندرة الأصباغ.
يمكن للاحتكاك اللغوي والثنائية اللغوية أن يغيرا بسرعة المعجم اللوني.
يكشف التنوع اللغوي عن طرق مختلفة لتنظيم الانتباه والذاكرة.
تدعونا هذه النتائج إلى إعادة التفكير في علاقتنا باللغة. فالكلمات ليست مجرد تسميات تُلصق بالواقع، بل هي عناصر تشكّل عاداتنا الإدراكية وأولوياتنا الحسية.
ولمواصلة هذا التأمل، تقدم مجموعة Savoir en bref الصادرة عن Five Minutes أعمالًا أخرى مبسطة مخصصة للعلوم الإنسانية والإدراكية، وتعرض بوضوح القضايا المعاصرة الكبرى.
إن مسألة كلمات الألوان تذكّرنا بأن رؤيتنا للعالم ليست محايدة أبدًا. فهي تتشكل بفعل التاريخ والبيئة واللغة التي نتحدثها. واستكشاف هذه الاختلافات يعني تعلم رؤية العالم بطرق متعددة، والاعتراف بثراء الثقافات الإنسانية.
وللاطلاع على تحليل واضح ودقيق وسهل الفهم لهذه الأبحاث الحديثة، اكتشف كتاب “لماذا لا تمتلك بعض الشعوب كلمات للألوان؟” بقلم لويس فيردون الآن على FIVE MINUTES.




Français