لا يقتصر التاريخ أبداً على مجرد تراكم للتواريخ والوثائق والشهادات. فهو أيضاً نتيجة عملية متواصلة من الانتقاء والتفسير والنقل. وعلى مدى قرون، لعب المؤرخون وأمناء الأرشيف والمدرسون والصحفيون والمؤسسات الثقافية دوراً أساسياً في بناء ذاكرتنا المشتركة. لكن طرفاً جديداً أصبح اليوم قادراً على التدخل على نطاق واسع: الذكاء الاصطناعي.
مع ظهور النماذج التوليدية القادرة على إنتاج النصوص والصور ومقاطع الفيديو والأصوات الاصطناعية، أصبحت العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والذاكرة الجماعية قضية مجتمعية مهمة. يمكن لهذه التقنيات أن تسهّل استكشاف أرشيفات ضخمة، وترميم بعض الوثائق، أو جعل التراث أكثر سهولة في الوصول إليه. لكنها تستطيع أيضاً إنتاج تمثيلات شديدة الإقناع لأحداث لم تقع في الواقع.
لذلك، تتجاوز المسألة الحقيقية مجرد التساؤل عما إذا كانت الآلة قادرة على سرد التاريخ. فالتحدي يتمثل في تحديد الطريقة التي سنواصل بها التمييز بين الوثيقة التاريخية وإعادة البناء، وبين الفرضية والحقيقة المثبتة، وبين الصورة التوضيحية والدليل.
هذه الإشكالية، التي تقع في صميم الكتاب القصير كيف سيعيد الذكاء الاصطناعي كتابة التاريخ؟ للكاتب Léwis Verdun، تقودنا إلى سؤال أوسع: في عصر المحتوى التوليدي، كيف يمكننا حماية موثوقية ذاكرتنا الجماعية من دون التخلي عن الإمكانات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي؟
عندما تلتقي الأرشيفات بالذكاء الاصطناعي
تمثل الأرشيفات مصدراً هائلاً لفهم مجتمعات الماضي. فالمكتبات والمتاحف والإدارات ومراكز الأبحاث تحتفظ بملايين الصور والمخطوطات والصحف والتسجيلات والوثائق، ولم يُدرس بعمق سوى جزء منها.
في هذا السياق، يمكن أن يشكّل الذكاء الاصطناعي والتاريخ شراكة مثمرة للغاية. إذ تستطيع الأنظمة الحاسوبية مساعدة الباحثين على تصنيف كميات كبيرة من الوثائق، واكتشاف الروابط بينها، ونسخ النصوص، وتسهيل عمليات البحث داخل المجموعات الرقمية.
ولا يتمثل الهدف بالضرورة في استبدال المؤرخ، بل في تعزيز قدرته على الاستكشاف.
فعلى سبيل المثال، يمكن لآلة قادرة على تحليل عدة آلاف من الوثائق بسرعة أن تكشف عن روابط كان اكتشافها سيتطلب وقتاً طويلاً من فريق بشري. كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم في جعل بعض الأرشيفات الرقمية أكثر سهولة في الوصول إلى الجمهور من خلال تسهيل فهرستها وترجمتها ووضعها في سياقها.
ويفتح هذا التطور آفاقاً مثيرة للاهتمام أمام المتاحف والتعليم. فقد يتيح معرض ما طرقاً مختلفة لتصوير حقبة تاريخية بالاعتماد على مصادر موثقة. ويمكن للمدرس الوصول بسهولة أكبر إلى وثائق قادمة من مجموعات متعددة. كما يستطيع الباحث استكشاف مجموعة ضخمة من البيانات من دون الاضطرار إلى مراجعة كل وثيقة على حدة.
لكن سرعة التحليل لا تضمن دقة التفسير.
فالخوارزمية تعمل انطلاقاً من البيانات والنماذج. وإذا كانت البيانات تحتوي على أخطاء أو تصورات قديمة أو اختلالات، فقد تعيد النتائج إنتاج هذه المشكلات. وهكذا يمكن لتمثيل مولّد بالذكاء الاصطناعي لشخصية أو مجموعة سكانية تاريخية أن يبدو واقعياً للغاية، رغم استناده إلى افتراضات قابلة للنقاش.
وهنا تحديداً تصبح اليقظة البشرية أمراً لا غنى عنه.
الصورة الواقعية ليست بالضرورة دليلاً تاريخياً
لطالما منحنا الصور الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو مكانة خاصة. ورغم أن التلاعب بالصور موجود منذ فترة طويلة سبقت ظهور الذكاء الاصطناعي، فإن الأدوات التوليدية تغيّر اليوم نطاق هذه الظاهرة وسهولة الوصول إليها بشكل جذري.
أصبح من الممكن الآن إنشاء مشهد يبدو منطقياً من الناحية التاريخية رغم أنه لم يُصوَّر قط. ويمكن لشخص متوفى أن يبدو وكأنه يتحدث أمام الكاميرا. كما يمكن إعادة بناء شارع قديم بأدق التفاصيل. وقد يجعل صوت اصطناعي شخصية معروفة تبدو وكأنها تنطق بكلمات لم تقلها أبداً.
وهكذا تضعف تقنيات التزييف العميق التاريخي ارتباطاً ذهنياً راسخاً لدى الكثيرين: «أنا أراه، إذن فقد حدث بالفعل».
ويكمن الخطر خصوصاً في درجة الواقعية. فالتمثيل الرديء يدفع بطبيعته إلى الحذر، بينما يمكن لصورة شديدة الواقعية، مصحوبة بتعليق مقنع ومتداولة آلاف المرات، أن تكتسب مظهر الوثيقة التاريخية.
ثم يأتي التكرار ليعزز هذه الظاهرة. فعندما تنتشر الصورة نفسها على شبكات التواصل الاجتماعي، وتظهر في مقطع فيديو، ثم تُعاد مشاركتها على مواقع مختلفة، قد تتحول تدريجياً إلى مرجع في نظر الجمهور، حتى عندما يكون أصلها اصطناعياً بالكامل.
لذلك قد تواجه الأجيال القادمة صعوبة جديدة: ستحتوي بيئاتها الرقمية في الوقت نفسه على وثائق أصلية، ومواد مرممة، وإعادات بناء تعليمية، وأعمال إبداعية، ومحتويات مزيفة ومضللة.
لن يكون السؤال بعد ذلك مجرد: «ماذا تُظهر هذه الصورة؟»، بل أيضاً: «من أين جاءت؟ ومن أنشأها؟ وعلى أي مصادر استندت؟ وما الغرض من إنتاجها؟»
ويمثل هذا السلوك النقدي إحدى ركائز الثقافة الرقمية التي سيحتاج إليها المواطنون والطلاب بشكل متزايد.
هل يمكن للتحيزات الخوارزمية أن تغيّر رؤيتنا للماضي؟
الذكاء الاصطناعي التوليدي ليس نافذة محايدة تماماً على التاريخ. فما ينتجه يعتمد على البيانات المستخدمة في تدريبه، وعلى تصميم النظام، وكذلك على الطريقة التي تُصاغ بها الطلبات الموجهة إليه.
لكن الأرشيفات البشرية نفسها غير مكتملة.
فقد تركت بعض الشعوب والمجموعات كميات هائلة من الشهادات المكتوبة أو المرئية، في حين لم تحظ مجموعات أخرى بالتوثيق الكافي. كما هيمنت بعض الروايات على المؤسسات لعقود. واختفت شهادات، وهُمشت لغات، وتكررت أحياناً تصورات خاطئة إلى درجة أصبحت معها مألوفة.
لذلك يمكن أن تؤدي التحيزات الخوارزمية إلى تضخيم تحيزات تاريخية موجودة أصلاً.
لنتخيل أن نظاماً ما طُلب منه إنشاء صورة لمجموعة بشرية قديمة بالاعتماد على مجموعة من المراجع غير المتوازنة أو المتقادمة علمياً. قد تكون النتيجة مذهلة بصرياً، لكنها مع ذلك تقدم للجمهور تصوراً خاطئاً عن تلك المجموعة.
وتصبح المشكلة أكثر تعقيداً عندما يملأ الذكاء الاصطناعي تلقائياً الفراغات في معرفته. فالنماذج التوليدية مصممة لإنتاج إجابات متماسكة، وليس لتحويل كل حالة من حالات عدم اليقين إلى صمت. ولذلك يمكن لمعلومة مختلقة أن تتسلل بين عدة حقائق صحيحة وتستفيد من مصداقيتها.
وفي مجال التاريخ، تفرض هذه القدرة على إنتاج «هلوسات» مقنعة تمييزاً أساسياً بين الاستكشاف والتحقق.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقترح مساراً للبحث. ويمكنه تسهيل دراسة موضوع ما أو تقديم إعادة بناء افتراضية. لكن أي ادعاء تاريخي يظل بحاجة إلى مصادر قابلة للتحديد، ووضع المعلومات في سياقها، والاستعانة بالخبرة البشرية عندما يتطلب الموضوع ذلك.
كما تركز النقاشات الدولية المتعلقة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة على مبادئ مثل الشفافية والمسؤولية والإشراف البشري وتوعية الجمهور.
وعند تطبيق هذه المبادئ على الذاكرة الجماعية، تصبح شديدة الوضوح: ينبغي أن نعرف متى يكون التمثيل مولداً بالذكاء الاصطناعي، وأن نتمكن من تتبع المصادر التي استند إليها، وألا تُقدَّم إعادة البناء على أنها وثيقة أصلية.
ذكرياتنا الشخصية تصبح هي الأخرى قابلة للتوليد
لا تقتصر القضية على الأرشيفات الوطنية الكبرى أو الأحداث التاريخية. فالذكاء الاصطناعي بدأ أيضاً بالتدخل في الطريقة التي نحفظ بها ذكرياتنا الفردية ونمثلها.
انطلاقاً من رواية شخصية، تستطيع بعض الأدوات إنشاء صورة لمكان من الطفولة، أو تقديم تمثيل بصري لحلم، أو إعادة بناء مشهد لا توجد له أي صورة فوتوغرافية. ويمكن أن تكون لهذه الاستخدامات أبعاد فنية أو تعليمية أو حتى علاجية.
لكنها في الوقت نفسه تجعل حداً أساسياً أقل وضوحاً: الحد الفاصل بين الذكرى وتمثيلها.
فالذاكرة البشرية ليست أصلاً نسخة مطابقة للماضي. إنها تتطور مع مرور الوقت، وتتأثر بالمشاعر وبالطريقة التي نروي بها الحدث مراراً. وإذا جاءت صورة مولدة بعد ذلك لتمنح ذكرى معينة شكلاً بصرياً شديد الإقناع، فقد تؤثر هذه الصورة بدورها في الطريقة التي نروي بها الذكرى لاحقاً.
على المستوى الفردي، تبدو الظاهرة مثيرة للاهتمام. أما على مستوى ملايين المستخدمين، فقد تغيّر علاقتنا الجماعية بآثار الماضي.
لهذا السبب، لا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي والذاكرة الجماعية من زاوية المعلومات المضللة وحدها. فهما يطرحان سؤالاً أعمق: كيف يبني المجتمع ذكرياته عندما تكون نسبة متزايدة من الصور التي يشاهدها قابلة لأن تكون اصطناعية؟
كيف نحافظ على ذاكرة جماعية موثوقة في عصر الذكاء الاصطناعي؟
سيكون حظر استخدام الذكاء الاصطناعي بالكامل في مجال التاريخ أمراً صعباً وغير مجدٍ في الوقت نفسه. فهذه الأدوات يمكن أن توفر فرصاً حقيقية للباحثين والمدرسين والعاملين في المجال الثقافي والمواطنين. ويتمثل الهدف بدلاً من ذلك في وضع ممارسات تتيح الاستفادة من مزاياها من دون الخلط بين الإبداع والتوثيق.
فيما يلي بعض الممارسات المفيدة:
- تحديد مصدر المحتوى. ينبغي أن يكون من الممكن ربط الصورة اللافتة بمصدر أو مؤلف أو مؤسسة أو طريقة إنشاء محددة بوضوح.
- التمييز بين الوثيقة وإعادة البناء. ينبغي توضيح أن التمثيل مولّد بالذكاء الاصطناعي، خصوصاً عندما يتعلق بشخصية أو حدث تاريخي.
- مقارنة المصادر. لا ينبغي أن يعتمد ادعاء مهم حصراً على إجابة أنتجها نموذج توليدي.
- فحص البيانات المستخدمة. عندما يكون ذلك ممكناً، ينبغي التساؤل عن جودة المراجع المستخدمة في إعادة البناء وتنوعها ومدى حداثتها.
- تعليم الثقافة الرقمية. أصبحت القدرة على البحث عن أصل الصورة والتحقق من المعلومات والتعرف على مؤشرات التلاعب مهارة ثقافية أساسية.
- الحفاظ على الإشراف البشري. يظل المؤرخون وأمناء الأرشيف والباحثون والمتخصصون ضروريين لتفسير المصادر وسياقاتها.
- وضع قواعد للشفافية. من مصلحة المؤسسات ووسائل الإعلام والمنصات أن توضح متى يكون المحتوى التاريخي قد أُنشئ أو عُدّل بشكل جوهري باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وبالنسبة إلى القارئ الذي يواجه محتوى تاريخياً مثيراً للدهشة، يمكن اتباع طريقة بسيطة تقوم على أربعة أسئلة: ما المصدر الأصلي؟ هل المحتوى أصلي أم أعيد بناؤه؟ هل توجد مصادر مستقلة أخرى تؤكده؟ وما المعلومات التي تنقصنا لفهم سياقه؟
قد تُحدث هذه الثواني القليلة من التحقق فرقاً كبيراً.
لذلك لا يتمثل الهدف في تطوير حالة من الشك المنهجي تجاه كل صورة أو نص رقمي، بل في اكتساب ثقافة جديدة للتحقق من الأدلة تتناسب مع عصر المحتوى التوليدي.
التعاون بين البشر والآلات قد يثري التاريخ أيضاً
لا ينبغي للمخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أن تحجب إمكاناته. فعند استخدامه بطريقة مناسبة، يمكن أن يصبح أداة قوية للوصول إلى التراث الثقافي.
قد يسهل استكشاف مجموعات كان من الصعب الوصول إليها سابقاً، ويساعد على مقارنة مجموعات كبيرة من الوثائق، ويدعم ترجمة المواد التاريخية، أو يتيح إنشاء تجارب تعليمية تساعد الجمهور على فهم حقبة معينة بصورة أفضل.
ويتمثل الشرط الأساسي في الحفاظ على التمييز بين ما نعرفه، وما نستنتجه، وما نعيد بناءه.
ومن هذا المنظور، لا ينبغي اختزال مستقبل الذكاء الاصطناعي والتاريخ في منافسة بين الإنسان والآلة. بل يمكن أن يقوم على التكامل: قوة المعالجة التي تتمتع بها الأنظمة الحاسوبية من جهة، والتفكير النقدي البشري والقدرة على فهم السياق وتحمل المسؤولية والخبرة من جهة أخرى.
لطالما تطورت ذاكرتنا الجماعية مع تطور وسائل حفظها ونقلها: التقاليد الشفوية، والمخطوطات، والطباعة، والتصوير الفوتوغرافي، والسينما، وقواعد البيانات، والشبكات الرقمية. ويمثل الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة، ولكن مع فارق أساسي: فهو لم يعد يكتفي بحفظ آثار الماضي أو نشرها، بل أصبح قادراً على إنتاج آثار جديدة تبدو وكأنها تنتمي إلى الماضي.
ولهذا السبب تحديداً، يزداد الدور الحاسم للتفكير النقدي وجودة البيانات والشفافية والتربية الإعلامية. فالهدف ليس الاختيار بين الابتكار والذاكرة، بل ضمان أن يساهم الأول في إثراء الثانية من دون محو المعايير التي تساعدنا على فهم الماضي.
وهذا هو جوهر التأمل الذي يقدمه كتاب كيف سيعيد الذكاء الاصطناعي كتابة التاريخ؟ للكاتب Léwis Verdun. فمن خلال قضايا الأرشيف، والهلوسات الخوارزمية، والتزييف العميق، والتحيزات، وإعادة بناء الذكريات، يدعونا هذا الكتاب القصير إلى التفكير فيما نريد الحفاظ عليه في الوقت الذي أصبحت فيه الآلات قادرة على إنشاء تمثيلات مقنعة للماضي.
اكتشف الآن كتاب كيف سيعيد الذكاء الاصطناعي كتابة التاريخ؟ للكاتب Léwis Verdun ضمن مجموعة Nouveaux Horizons من FIVE ÉDITIONS.




Français